حصان قتل أطفالاً وغيّر مفاهيم الطب بأميركا

مطلع القرن العشرين، تنقلت عربات الحليب التي تجرها الأحصنة كل صباح بين مختلف أحياء المدن الأميركية لنقل الحليب لزبائنها. وخلال فترة سبقت اختراع مايكل جوزيف أوينز «Michael Joseph Owens» لآلة صنع القوارير الزجاجية الأوتوماتيكية، مثلت القوارير الزجاجية سلعة باهظة الثمن، ولهذا السبب اضطر الناس حينها لشراء دلاء وأباريق لملئها كل صباح بالحليب.

في خضم هذه الأحداث، تحول حصان حمل اسم جيم «Jim» اعتمد لجر إحدى عربات الحليب بمدينة سانت لويس «St. Louis» بولاية ميسوري «Missouri» لأيقونة في مجال الصحة الأميركية بفضل تجربة تسببت في كارثة أودت بحياة كثيرين وغيّرت مفاهيم الصحة الأميركية للأبد.

مطلع القرن العشرين، لجأ العديد من أصحاب عربات الحليب لبيع دم أحصنتهم لمصانع الأدوية والمختبرات المحلية مقابل بضعة دولارات. وقد اتجه المختصون في مجال الطب والصيدلة حينها لاستغلال الأحصنة لصناعة بلازما دم تحتوي على مضاد ذيفان، أو كما تسمى أيضا مضاد توكسين «antitoxin»، مرض الديفتيريا «Diphtheria» المسمى أيضا بالخناق. ومن جهة ثانية، بيعت هذه المركبات الطبية المستخرجة من دم الحصان مقابل مبالغ باهظة لمعالجة الأطفال المصابين بهذا المرض.

وعلى حسب تقارير تلك الفترة، عمد المختصون لحقن كميات ضئيلة من بكتيريا الديفتيريا بجسم الحصان ليبدأ على إثر ذلك الجهاز المناعي للأخير بصناعة أجسام مضادة لهذا المرض تستخرج وتنقى بشكل دقيق قبل أن تقدم للإنسان المريض.

وخلال مسيرته، قدّم الحصان جيم نحو 30 لترا من مضاد ذيفان مرض الديفتيريا مساهما بذلك في إنقاذ حياة كثيرين. لكن سنة 1901 حصل ما لم يكن في الحسبان.

يوم 2 أكتوبر 1901، أبدى الحصان جيم علامات تعب وإنهاك. ومع فحصه تبيّنت إصابته بمرض التيتانوس «Tetanus»، المعروف أيضا بالكزاز، ولإنهاء معاناته اتجه مالكوه لوضع حد لحياته عن طريق ما يعرف بالقتل الرحيم.

في غضون ذلك، شهد يوم 30 أيلول/سبتمبر من نفس السنة، أي قبل 3 أيام فقط من نفوق جيم، وفاة طفلة حصلت في وقت سابق على مضاد ذيفان مرض الديفتيريا من دم الحصان جيم. وأمام هذا الوضع شكك كثيرون في إمكانية وجود رابط بين حادثة نفوق الحصان جيم ووفاة الطفلة.

وخلال الأيام القليلة التي تلت رحيل جيم، تحولت الشكوك إلى يقين حيث فارق ما لا يقل عن 12 طفلا من مدينة سانت لويس الحياة عقب حصولهم على مضادات بكتيريا الديفتيريا من دم الحصان جيم، فتأكد الجميع حينها من انتقال مرض التيتانوس، الذي كان منتشرا بين الأحصنة، من جيم للأطفال عبر مضاد ذيفان الديفتيريا المستخرج من دمه.

أثارت حادثة سانت لويس التي تسبب فيها دم الحصان جيم وحادثة مشابهة أخرى حصلت بنيو جيرسي راح ضحيتها 9 أطفال آخرين سنة 1902، قلق السلطات الأميركية التي عجّلت بالتحرك. فمرر الكونغرس قانون الرقابة البيولوجية الذي صادق عليه الرئيس ثيودور روزفلت يوم 1 يوليو 1902.

وبموجب هذا القانون، عرف مجال صناعة الأدوية تغيرا جذريا حيث أجبر المصنّعون على الحصول على رخصة سنوية لإنتاج التلاقيح والمضادات. كما شكلت لجنة أوكلت إليها مهمة تفقد مصانع الأدوية عن طريق زيارات مفاجئة ومصادرة الرخص عند اللزوم. أيضا، أجبرت المصانع على كتابة اسم الدواء على جميع أدويتها إضافة لاسم المصنع ورقم الرخصة وتاريخ انتهاء الصلاحية.

وخلال السنوات التالية، دعّمت السلطات الأميركية هذا القانون بمزيد من القرارات، فظهرت سنة 1906 إدارة الغذاء والدواء التي أوكلت إليها أساسا مهمة الإشراف على سلامة الأغذية والأدوية ومنتجات التبغ.

الوسوم
لغات متعددة
إغلاق